عبد الرحمن بشر : رئيس التحرير : ليس أثقل على الروح من أن تعيش معلقاً بين أرضين، أرضٌ تحتضن جسدك، وأخرى تحتضن قلبك وذاكرة تمضي في شوارع مدن جديدة، تحفظ أسماء طرقاتها ووجوه أهلها، وتألف ضجيجها وإيقاع أيامها، لكن روحك تظل عالقة في مكان بعيد يشبهك، عالقة عند عتبة باب بيت قديم، أو في شارعٍ عرف خطواتك الأولى، أو خلف نافذة كانت تطل على جزء صغير من العالم، فكان يبدو لك يومها العالم كله.
الكاتب والإعلامي : المغترب /
عادل السبيئ

نحن في الشتات لا نحمل أوطاننا في جوازات السفر، بل نحملها في وجداننا وذاكرتنا؛ في لغتنا ولهجتنا، في أغانينا وحكاياتنا، وفي ذلك الحنين الذي لا يستطيع الزمن أن يطفئه.

نحمل الوطن كندبة في القلب؛ كلما ابتعدنا اتسعت، وكلما حاولنا أن ننساه عاد إلينا من حيث لا ندري؛ في رائحة عابرة، أو أغنية قديمة، أو كلمة تُنطق بلهجتنا، فنكتشف أن المسافة لم تكن يوماً قادرة على اقتلاع ما غرسه الوطن في أعماقنا.

هناك، في الوطن، لا تزال أحلامنا معلّقة، وآمالنا تنتظرنا التي لم تتحقق بعد.
هناك لا تزال طفولتنا تركض تحت المطر، ولا تزال الأرض خضراء كما عرفناها، ولا تزال البيوت عامرة بالحب، مأهولة بالأحبة، حتى أولئك الذين غيبهم الموت أو أخذتهم الطرق إلى جهات بعيدة.

قد تأخذنا الأيام إلى أرصفة بعيدة، وقد تطول بيننا وبين الوطن المسافات، وتنقطع بنا عنه السبل، وتمنعنا ظروف الحرب من معانقته، وقد تتبدل ملامح الأمكنة وتتغير وجوه الناس، لكن أرواحنا تظل تعرف الطريق الأول؛ ذلك الطريق الذي بدأ منه كل شيء، والذي مهما تشعبت بنا الدروب، نظل قادرين على العودة إليه في لحظة حنين.

فالشتات ليس مجرد اغتراب وغياب عن الوطن، ولا مجرد هروب من واقع مرير، بل هو غياب عن جزء من نفسك، عن تفاصيل صغيرة صنعت ذاتك وملامحك وسلامك الداخلي.

وحين تبتعد عن الوطن، تكتشف أنه لم يكن تلك الأرض الواسعة والمدن المتباعدة التي عرفناها، بل كان أشياء صغيرة، وتفاصيل عابرة، لم ندرك قيمتها إلا بعدما أصبحت بعيدة.

فالوطن أهلٌ وجيرة، ورائحة تراب الأرض بعد المطر، وسماءٌ مثقلة بالغيوم، وماءٌ يجري في السواقي والوديان، وجبالٌ ترتدي ثوبها الأخضر، وأصوات طيور وعصافير تستقبل الصباح في أرياف الوطن وبواديه.

الوطن أغنية قديمة، وهَجْلةُ فلاحٍ في حقله، وملالاةُ امرأةٍ وهي تقتطع الحشائش، ولهجةٌ تسمعها مصادفة في مكان غريب، فتشعر أن قلبك عاد قبلك إلى الوطن.

الوطن رائحة خبز، ودفء بيت، ووجه أم، وضحكة طفل، وظل شجرة، وطريق ترابي مشيناه ذات يوم دون أن نعرف أنه سيصبح بعد سنوات أطول الطرق إلى القلب.

وحين نكتب عن الوطن، لا نكتب عنه فحسب.
نحن نبني من الحروف بيوتاً فقدناها، ونفتح بالكلمات أبواباً أغلقتها المسافات، ونمشي على الورق في شوارع لم تعد أقدامنا تصل إليها، ونستعيد وجوهاً أخذها الزمن بعيداً، ونمنح الغائبين فرصة أخرى للحضور من خلال كتاباتنا.

نكتب لأن حياة الشتات تضيق بنا، ولم يبقَ لنا متسع إلا في الورق؛ فالحروف وحدها تستطيع أن تقطع بنا المسافات التي تعجز عنها الأقدام.

نكتب لأن الورق هو الوطن الأخير الذي لا يحتاج إلى تأشيرة، ولا تعترض طريقه نقاط تفتيش، ولا يقف على أبوابه مسلح، ولا تسألنا حروفه من أي طريق جئنا، ولا إلى أي جهة ننتمي.

في الورق نستطيع أن نعود، نستطيع أن نعبر الطرق التي أُغلقت، ونجتاز الحدود التي حالت بيننا وبين بيوتنا، ونطرق أبواباً لم نعد نستطيع طرقها، ونجلس إلى جوار من فرقتنا عنهم المسافات، ولو لبرهة .
نكتب عن الوطن لا لأننا عاجزون عن نسيانه، بل لأننا عاجزون عن العيش من دونه.
فالأوطان لا نسكنها فقط، إنها تسكننا.
وبعض المسافات، مهما امتدت، لا تستطيع أن تفصل الإنسان عن المكان الذي بدأت فيه حكايته.







دنيا المغتربين اليمنيين الجاليات اليمنية، المغتربين اليمنيين ،شبكة المدار الثلاثي للاعلام ، دنيا المغتربين ، أخبار الجاليات ، سياحة يمنية ، تراث يمني ، قنواتنا ، مواهب ومبدعون ، حول العالم ، اهداف دنيا المغتربين

