عبد الرحمن بشر : رئيس التحرير : القات جزء راسخ من الحياة الاجتماعية في اليمن، وقد عرف اليمنيون مضغه منذ قرون. لكن استعماله خلال العقود الخمسة أو الستة الماضية اتسع بصورة كبيرة، وأصبح جزءًا من الحياة اليومية لشرائح واسعة من المجتمع.
وهنا يبرز سؤال يستحق أن نطرحه بهدوء وموضوعية: ماذا تقول لنا المعرفة الطبية الحديثة عن تأثير القات في صحتنا وحياتنا، وماذا يعني انتشاره الواسع لمستقبل بلادنا؟
- ماذا يفعل القات في الجسم؟
يحتوي القات الطازج على مادة القاثينون (Cathinone)، وهي مادة منبهة للجهاز العصبي المركزي، ولها تأثيرات دوائية شبيهة في بعض جوانبها بالمواد المنبهة من مجموعة الأمفيتامينات.
ولهذا يشعر ماضغ القات باليقظة والنشاط والنشوة، وقد يشعر بزيادة القدرة على الكلام والتركيز. لكن الإحساس المؤقت بالنشاط لا يعني بالضرورة زيادة حقيقية في الإنتاجية.وقد يرتبط استعمال القات المتكرر لدى بعض الأشخاص بالاعتماد والتعود، كما ارتبط باضطرابات النوم وفقدان الشهية وبعض الأعراض الهضمية.
- القات والنوم والإنتاجية
من أكثر الآثار التي يلاحظها كثير من الناس تأخر النوم واضطرابه بعد جلسة القات.
وهنا يجب أن نفرق بين الإحساس بالنشاط وبين الإنتاجية الفعلية. فإذا قضى الإنسان ساعات طويلة في جلسة القات، ثم تأخر نومه وأصبح أقل نشاطًا في اليوم التالي، فقد يكون مجموع الوقت والطاقة المفقودين أكبر من الفائدة المؤقتة التي شعر بها أثناء الجلسة.وعندما تصبح هذه العادة واسعة الانتشار، فإن آثارها لا تبقى فردية، بل تمس الأسرة والعمل والدراسة والإنتاجية العامة.
- القات والقلب
للقاثينون تأثير منبه على الجهاز العصبي، وقد يؤدي مضغ القات إلى ارتفاع ضغط الدم وزيادة معدل ضربات القلب. وقد وجدت دراسات ومراجعات طبية علاقة بين مضغ القات وبعض عوامل وأمراض القلب والأوعية الدموية.
ولا يعني ذلك أن كل من يمضغ القات سيصاب بأمراض القلب، ولكن ينبغي أن يكون الأمر موضع اهتمام خاص لدى المصابين بارتفاع ضغط الدم أو أمراض القلب.
- تجربة طبية شخصية
لدي اهتمام خاص بهذا الموضوع، فقد شاركت قبل أكثر من ثلاثين عامًا في دراسة طبية حول تأثير القات في الجهاز البولي.
وفي عام 1995 نشرنا في British Journal of Urology دراسة حول تأثير مضغ القات في وظيفة عنق المثانة وتدفق البول. وقد وجدنا أن مضغ القات أدى إلى انخفاض في متوسط وأقصى معدل تدفق البول، وأن هذا التأثير أمكن تثبيطه باستخدام دواء يحصر مستقبلات ألفا-1 الأدرينالية.كانت تلك الدراسة مثالًا على أن القات، رغم كونه عادة اجتماعية، له تأثيرات فسيولوجية حقيقية في الجسم.
ومنذ ذلك الوقت توسعت المعرفة الطبية حول تأثيراته في أجهزة الجسم المختلفة.
- القات والماء: الثروة التي لا تعوض
ربما يكون الجانب البيئي من أكثر الجوانب إثارة للقلق.
اليمن من أكثر بلدان العالم شحًا في المياه، ومياهنا الجوفية تستنزف بمعدل أسرع بكثير من معدل تجددها.وتشير منظمة الأغذية والزراعة إلى أن إنتاج القات يستهلك نحو 30% من المياه المسحوبة من حوض صنعاء، وأن بعض الآبار في الحوض وصلت إلى أعماق 700 متر أو أكثر للوصول إلى المياه الجوفية.
وهنا يحق لنا أن نسأل:هل من الحكمة أن نستنزف جزءًا كبيرًا من مخزوننا المائي المحدود في زراعة محصول غير غذائي، بينما يعاني اليمن من شح المياه والحاجة إلى الغذاء؟
إن الماء الذي نستنزفه من باطن الأرض اليوم قد لا يكون متاحًا لأبنائنا وأحفادنا غدًا.القات والأرض والأمن الغذائي
المشكلة لا تتوقف عند الماء.
فالتوسع في زراعة القات ينافس زراعة المحاصيل الغذائية وغيرها من المحاصيل الزراعية. وقد أشارت منظمة الأغذية والزراعة إلى أن زيادة إنتاج القات تأتي على حساب إنتاج بعض المحاصيل الغذائية، كما أن زراعته تستهلك نسبة كبيرة من المياه الزراعية.ولا ينبغي أن نلقي اللوم على المزارع وحده. فالمزارع يبحث عن المحصول الذي يوفر له دخلًا أفضل ويضمن معيشة أسرته.
لذلك فإن الحل الحقيقي لا يكون بمهاجمة المزارع، وإنما بتوفير بدائل زراعية واقتصادية مجدية تساعده على إنتاج الغذاء والحفاظ على المياه دون أن يفقد مصدر رزقه.
- وماذا عن المبيدات؟
مع توسع زراعة القات، ازداد استخدام المبيدات والمواد الكيميائية في بعض المناطق.
وقد وجدت دراسة أجريت في المناطق الجبلية في اليمن أن ماضغي القات المزروع باستخدام المبيدات بصورة منتظمة أبلغوا عن أعراض صحية أكثر من أولئك الذين كانوا يمضغون قاتًا يُزرع باستخدام قليل من المبيدات أو دون استخدامها بصورة منتظمة، بما في ذلك أعراض هضمية وضعف عام ومشكلات أخرى. (PubMed)ولا يصح علميًا أن نقول إن كل قات يسبب السرطان بسبب المبيدات. لكن الاستخدام غير المنظم أو غير الآمن للمبيدات يمثل خطرًا صحيًا يستوجب الرقابة والتوعية.
فالمستهلك لا يعرف عادةً ما المواد التي استُخدمت على أوراق القات التي يضعها في فمه.هل المطلوب أن نتخلى عن القات؟
لا أعتقد أن المسألة بهذه البساطة.احترام العادات والتقاليد لا يعني أن نتوقف عن دراسة آثارها، والحديث عن أضرار القات لا يعني إدانة كل من يمضغه أو مهاجمة ثقافتنا.
المعرفة ليست إدانة.
إذا عرف الإنسان الحقيقة، أصبح أكثر قدرة على اتخاذ القرار الذي يراه مناسبًا له ولأسرته.لكن المجتمع يحتاج إلى سياسات مسؤولة: توعية الشباب، حماية الأطفال من التعود المبكر، الاهتمام بمرضى القلب وارتفاع ضغط الدم، الرقابة على المبيدات، حماية المياه الجوفية، وتشجيع زراعة المحاصيل الغذائية، مع توفير بدائل اقتصادية حقيقية للمزارعين.
- كلمة أخيرة
لقد عاش اليمنيون مع القات قرونًا، ولكن اليمن اليوم ليس اليمن الذي كان قبل قرون.
عدد السكان أكبر، والمياه أقل، والأراضي الزراعية محدودة، والحاجة إلى الغذاء أكبر، والتحديات الصحية والاقتصادية أشد.لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل القات جزء من ثقافتنا؟
بل: هل الطريقة التي نزرع بها القات ونستهلكه اليوم تتناسب مع موارد اليمن المحدودة، وصحة شعبه، ومستقبل أجياله؟
إنها قضية تستحق نقاشًا هادئًا وصريحًا، بعيدًا عن التخويف والمبالغة، وبعيدًا أيضًا عن تجاهل الحقائق.فالقات لم يعد مجرد أوراق نمضغها بعد الظهر.
إنه يرتبط اليوم بصحة الإنسان، ونومه، وغذائه، ووقته، وعمله، ومياه بلاده، وأرضها، وأمنها الغذائي.وما لا ينبغي أن نختلف عليه هو أن: الماء والغذاء وصحة الإنسان ثروات لا يملك اليمن ترف إهدارها.
د. عبد الله عبد الولي ناشر
أستاذ الجراحة المتقاعد، كلية الطب – جامعة صنعاء
وزير الصحة اليمني السابق







دنيا المغتربين اليمنيين الجاليات اليمنية، المغتربين اليمنيين ،شبكة المدار الثلاثي للاعلام ، دنيا المغتربين ، أخبار الجاليات ، سياحة يمنية ، تراث يمني ، قنواتنا ، مواهب ومبدعون ، حول العالم ، اهداف دنيا المغتربين

